التصنيف: شخصيات في الذاكرة

“ملالا” و سائق التاكسي !

ملالا .. مستقبل الصحة و دراسات الشيخوخة حول العالم
ملالا .. مستقبل الصحة و دراسات الشيخوخة حول العالم

بدأت قصتي مع “ملالا يوسفــ زاي Malala Yousafzai” في إحدى الليالي الشتوية في بداية العام الحالي٢٠١٤ م الذي ستنقضي أيامه قريباً، كان يوماً عاصفاً تزامنت فيه العاصفة الثلجية، التي وصل فيها الثلج إلى عشرات السنتيميترات، مع بداية أول يوم من الفصل الدراسي الشتوي، وهو بالكاد يكون أمراً معتاداً في دولة كــكَندا حيث يستمر شتاؤها قرابة نصف أشهر العام، مما قد يترتب عليه أحياناً توقف الدراسة لعدة أيام حتى انتهاء العواصف الثلجية. لكن في ذلك اليوم كانت جامعتي لازالت تفتح أبوابها خلال الفترة الصباحية، ولأنه في أجواءِ كهذه تغدو قيادة السيارة ضرباً من الجنون قد يجعلك عالقاً أنت وسيارتك تحت كومةِ ثلجِ لافكاك منها، فضلاً عن أنه قد يتأخر وصول الباصات المؤدية إلى الجامعة إلى محطاتها في الوقت المحدد بسبب تراكم الثلوج على أرصفة الشوارع، اضطررت إلى أن أطلب التاكسي (سيارة أجرة) حتى تقلّني إلى الجامعة.

انتظرتُ بضعة دقائق حتى وصل التاكسي أمام باب منزلي ، صعدتُ إلى السيارة و رحّب بي سائقها كعادة سائقي الأجرة هنا، و يبدو أن السائق كان كندياً يبلغ مايتجاوز الخمسين من العمر، رآني محجبة وقد طلبتُ منه التوجه بي إلى الجامعة ، و أظن أن ذلك ماشجّعه على الحديث معي حول الموضوع، حيث بادرني بالسؤال قائلاً: هل تريدين أن تعرفي ماذا أقرأ هذه الأيام ؟ و أشار لي بكتاب كان يضعه على مقدمة السيارة أمامه وكان على غلافه صورة فتاة يبدو أنها من بلاد الهند !

ثم أجبته: للأسف لا أعرف هذا الكتاب و لاتلك التي على غلافه !

أجابني قائلا: إنه كتاب ” أنا ملالا I am Malala” ، إنها الفتاة “ملالا” ، يجدر بك معرفتها !

ثم استطرد حديثه: إنها فتاة من باكستان نجت من الموت في محاولة اغتيال لها ، كانت قد طالبت بحقها في التعليم حيث مُنعت منه هي و نظراءها من الفتيات من قبل جماعات المتطرفين بحجة أنه يخالف تعاليم الدين !

غلاف كتاب .. أنا ملالا
غلاف كتاب .. أنا ملالا

ثم أعقب حديثه هذا بسؤالٍ كنتُ قد توقعتُه ، كوني مُحجبة (دليل على أني مسلمة أيضا) بعد مقدمته عن الكتاب تلك، وهنا يأتي تصادم الأفكار بين مايقرأ هو و يعرف عن الإسلام من وسائل الإعلام وبين ما تملكه أنت كمبتعث وسفير لدينك ووطنك وهويتك العربية و الإسلامية، و قد كان سؤاله: هل فعلاً حصولكن كنساء على التعليم يعارض تعاليم الدين الإسلامي لديكم ؟!

استمر الحوار بيني و بين سائق الأجرة لعدة دقائق حاولت فيها أن أشرح ما استطعت عن سماحة الإسلام و لعل اغترابي عن أهلي و وطني و مادفعني للخروج في هذه العاصفة ركضا نحو محاضرتي لهو أحد الأدلة على دحض مثل تلك الأفكار المتطرفة خصيصا تلك التي يتدوالها الإعلام الغربي ضد المسلمين. انقضت الدقائق سريعا حتى وصلت إلى مبنى كليتي مودعة سائق التاكسي شاكرة له على حديثه الثري و مشاركته مايقرأ حالياً معي. و حينما حان وقت المساء جلستُ أقلب صفحات الانترنت بحثا عن سيرة “ملالا” الفتاة ذات الـ ١٧ ربيعا علّني أجد فيها مايكمل القصة الملهمة التي بدأها سائق التاكسي في الصباح فعرفتُ عنها الكثير و عن نضالها من أجل التعليم و خاصة “تعليم الفتيات”. لم ينقضِ ذلك الشتاء و إذا بي أجد صورة غلاف كتابها مُعلقة على إحدى جدرانمكتبة الجامعة فأصبحت أراها كل يوم ذهابا و إيابا.

malala_UWO_Weldon library

و لحسن الحظ لم تنتهي قصة “ملالا”معي عند سيارة الأجرة و لا مكتبة الجامعة ، بل كانت صورة ملالا ، تزامنا مع فوزها بجائزة نوبل للسلام ٢٠١٤، سبب ابتسامتي و مصدر فخري حين كانت تملأ شاشات العرض في إحدى أكبر القاعات لمؤتمر الشيخوخة الكندي ٢٠١٤ الذي شاركت فيه مؤخرا وكان ذلك في ختام محاضرة لطبيبة خبيرة في طب المسنين كانت تتحدث عن مستقبل الصحة و دراسات الشيخوخة حول العالم ، فكانت قصة “ملالا” نفسها هي المستقبل و هي الملهم ليس لي فقط و لكن لكل مهتم بالصحة و الأبحاث حول العالم من حاضري المؤتمر ، هذا فضلاً عن كونها شمعة الأمل لكل أولئك القاطنين و “القاطنات” في الدول النامية و الذين يجب أن يمنحوا حقهم في الحياة بـ ” التعليم” فبالتعليم ينحصر الفقر و يحل السلام في العالم كما ترى “ملالا” ، و في ذلك تقول: “طفل واحد و مدرس واحد و كتاب واحد و قلم واحد يمكنه تغيير العالم ، التعليم هو الحل الوحيد ، التعليم أولا”.

لقراءة المزيد عن ” ملالا”

ملالا .. لم تقتلها الرصاصة وفازت بنوبل

I am Malala كتاب .. أنا ملالا ..

ماذا تعلّمتُ من د.جونسُن ؟! (2)

graduation2012Western

بدأت قصتي مع جونسُن (د.جونسُنDr. Johnson ) بمقالٍ نشرتُه في مجلة “آفـاق” التي تصدر دورياً عن الملحقية الثقافية السعودية في كندا في عددها التاسع (شهر فبراير) لعام 2012 م، و كان المقال في مجمله رصدٌ لصفاتٍ إيجابيةٍ كانت قد لفتـت انتباهي في شخصية “جونسن” أثناء دراستي لمرحلة الماجستير وبشكل محدد في تجربتي معه كأستاذ لمادة الإحصاء التي كنتُ أعمل كمساعدة له فيها و بشكل أعمّ كمشرف لبرنامج تخصصي الدقيق بالكلية.Â

و بعد تجربة التدريس تلك و ذلك المقال مالبثَ أن أصبح جونسن هدفاً لي كمشرف دراسي في مرحلتي التالية و بات له مجلداً خاصاً على حاسوبي أرصد فيه في كل ملف مستقل تجاربي المختلفة معه في تدريسه و تعامله مع طلابه (من ضمن ذلك تعامله معي أنا كطالبة أجنبية) من ناحية ، و في البحث العلمي و بناء الحس المعرفي الأكاديمي من ناحية أخرى ، بل وحتى مهاراته الإدارية في رئاسة القسم أيضاً ، باختصار أصبح سلوك “جونسن” بحد ذاته سلوكاً مُلهماً أختبره تحت مجهري الشخصي و ذلك مايسمونه في الغرب بسلوك المستشار/الناصح Mentor أو القدوة Role Model رغم أن هناك فروقاً بين هذين المصطلحين قد لايسع المكان لذكرها هنا.

“جونسن” بخبرته الطويلة جداً ، في مجال البحث الكمي، يقوم بتدريس الإحصاء لطلاب مرحلة البكالوريوس و مرحلة الدراسات العليا وقد لا أبالغ إن قلت أنه بخبرته هذه يعتبر مرجعاً لكل طالب في الكلية يذكر كلمة إحصاء في بحثه سواء كان الطالب تحت إشرافه المباشر أم لا وهذا مما سمعته بنفسي على ألسنة الكثيرمن الطلاب قبل اتخاذ قرار اختياري له كمشرف لمرحلة الدكتوراة ، و من القصص التي التصقت بذاكرتي ماحكته لي طالبة ماجستير من بلاد الهند أنها قصدته مرة ببريد إلكتروني في سؤال إحصاء “مستعصٍ” وكان ذلك الساعة الواحدة فجراً و ماكانت الساعة الثامنة صباحاً إلا وقد تلقت الرد الذي تحتاجه، و كثيراً مايردد “جونسن” بنفسه في محاضراته الدراسية و كذلك العامة أنه يرحب بكل استفسارات الطلاب في البحث الكمي أياً كان تخصصهم الدقيق بل وحتى من الكليات الأخرى في الجامعة و أن رده على بريده الإلكتروني لايتجاوز غالباً حدود الـ 24 ساعة و إلا يكون البريد قد سقط سهواً وعلى الطالب أن يرسل بريداً تذكيرياً.

“جونسن” يشرف على طلاب للدراسات العليا و أصبح مؤخراً يشرف بشكل كامل على برنامج الدراسات العليا بالكلية و الذي يعتبر من أكبر البرامج على مستوى كندا من حيث التخصص ، الأمرالذي جعلني أتوقع إهماله لبعض الأمور الأكاديمية كعدم اهتمامه بتطوير أسلوبه في التدريس مثلاً أو قلة اهتمامه بالنشر العلمي ، وقلتُ في نفسي لعلها فرصة لأرصد تصرفاً سلبياً بعد توليه لمنصبٍ إداري جديد إضافة لمنصبه الحالي ، صحيح أن مهامه زادت و ربما لم يعد باب مكتبه مفتوحاً على مصراعيه كما كنت أراه سابقاً ، لكن خاب توقعي و لم يثنيه منصبه هذا عن ولعه بالبحث العلمي و لازال و منذ تعيينه كأستاذ في الجامعة ينشر من ٤ إلى ٥ أبحاث كحد أدنى كل عام بمشاركة أساتذة و طلاب (منها حوالي 5 أبحاث نشرها حتى الآن منذ بداية العام الحالي 2013م ) عوضاً عن الأبحاث التي لازالت في جدول أعماله مع ملاحظة أنه لايعود عليه أي مردود مادي من هذا النشر. و الأكثر من ذلك أنه يعمل حالياً على تحديث مناهجه للإحصاء ليواكب البرامج الحاسوبية الجديدة “المجانية” في التحليل الإحصائي بحيث تكون متوفرة لكل الطلاب دون أن يكون عليهم أي تكلفة مادية قد تثنيهم عن إنجاز أبحاثهم.

“جونسن” هو نفسه الشخص الذي قد تراه يجلس على مكتبه يدير برنامجنا و كذلك اجتماعاتنا مع الطلاب و الأساتذة الآخرين في معملنا البحثي و هو نفسه الذي إن رآك في الشارع تمشي مهرولاً (وهو يركب دراجته التي يحضر بها للجامعة معظم الوقت) يلقي عليك التحية مع أن ذلك لن ينقص منه شيء إن لم يلقيها وهو منشغل بقيادة تلك الدراجة. وهو نفسه أيضاً من تجده يرحب بك في حفلات الكلية بل ويقوم بضيافتك أيضاً بطبقِ من المقبلات أو قطعة من الكعك حتى ولو كنت طالباً.

“جونسن” هو نفسه الخبير في مجاله و تجده في كل محاضرة يتحدى الطلاب بعلمه الغزير في هذه الناحية و هو نفسه الذي قبٍل برفض أستاذة البحث النوعي (الواقع على الضفة الأخرى من منطقة بحث جونسن) لحضور مادة متقدمة تُدرّسها هي لأن عليه أن يحضر مادة المبتدئين أولاً حتى يمتلك الأساسيات الفلسفية لهذه المنطقة البحثية ، وهو لايخجل من أن يذكر أنه ليس خبيراً فيها بل و يفخر في كثير من الأحيان بأنه سيصبح زميلاً لنا من جديد و أنه سيتعلم منّا كطلاب و كثيراً مايردّد بأننا نحن الجيل الجديد من سنقود الأبحاث التي ستحوي كل ماهو حديث في التخصص وفي هذه النظريات الكيفية.

مقالي هذا لا أقصد فيه تعداداً لخصال و مناقب “جونسن” الإيجابية فحسب فهو بالتأكيد يملك مقابلها صفاتٍ سلبيةٍ لم ألاحظها في مشرفي السابق و لكنها لن تكون كثيراً محط اهتمامي على الأقل في هذا المقال لأني إن لاحظتها بالتأكيد سأتخذ قرار تجنبها و سأبحث عن سلوك “جونسن” آخر ليكمل منظومة الصفات الإيجابية التي أطمح لاكتسابها، ما أقصده حقاً بهذا المقال هو “المستشار/الناصح” الذي ينبغي أن يكون في حياة كل مبتعث (مشرفاً دراسياً كان أم نموذجاً آخر يُحتذى قريباً أو صديقاً كان أم بعيداً) هذا المستشار يكون بمثابة الشخص الذي يذلّل الصعاب و يحمل المصباح لطريق ذلك المبتعث الذي يحمل في قرارة نفسه حلماً مستقبلياً بالإلتحاق بالكادر الأكاديمي في جامعاتنا السعودية أو حتى تولّي منصب إداري مرموق عند العودة ، مستشاراً يكون دليلاً لخارطة طريق المبتعث المستقبلية ، ذلك المبتعث الذي سيحمل على عاتقه مع كل معلومة جديدة يتعلمها اليوم مسؤولية حمل راية التغيير غداً ولو على المستوى الفردي بدءاً بتغيير السلبيات التي تعرّض لها هو نفسه كطالب أثناء رحلته الدراسية السابقة كطرق التدريس التقليدية ، التعامل الفظّ مع الطلاب ، المناهج الدراسية المبنية على دراسة التاريخ فقط و لاتواكب أبحاث الحاضر و المستقبل …. الخ، أو حتى في اكتساب مهارات إدارة بيئة العمل كالمهارات القيادية ، التعامل مع الموظفين و تحفيزهم … الخ.

ماذكرته في هذا المقال مجرد مثال بسيطِ لشخصية واحدة قد تمرعلينا عشرات المرات يومياً في حياتنا الجامعية أو العملية، فليست الفكرة أننا سنحمل شهادة أو حرفاً يلتصق بمقدمة اسمنا فقط فنحن في غربتنا هذه لانحتكّ بشخصية واحدة و لابمكان واحد فقط بل نتعرّض لثقافة و سلوك و منظومة اجتماعية و أكاديمية متكاملة يجب أن لايمرعلينا فيها أمراً دون تأمل أو تفكر بل و حتى تقمصاً لكل مايمكن اكتسابه و تغييره انطلاقاً من حدود شخصيتنا الفردية الآن إلى تلك الشخصية وبيئة الدراسة أو العمل وكذلك المجتمع الذي نطمح أن يكون.

مما نشر لي على موقع “أكاديميون سعوديون”

رابط المقال انقر هنــــا

مصادر مساندة باللغة الإنجليزية

3Reasons Why You Should Have a Professional Mentor  – ثلاثة أسباب حول الحاجة لمستشار محترف

7Reasons Why You Must Get A Mentor – سبعة أسباب حول أهمية وجود مستشار

مقال “ماذا تعلمت من د.جونسُن ؟! (1) المنشور عبر مجلة آفاق انقر هنــــا

~إرادة

ماذا تعلّمتُ من د.جونسُن ؟! (2)

graduation2012Western

بدأت قصتي مع جونسُن (د.جونسُنDr. Johnson ) بمقالٍ نشرتُه في مجلة “آفـاق” التي تصدر دورياً عن الملحقية الثقافية السعودية في كندا في عددها التاسع (شهر فبراير) لعام 2012 م، و كان المقال في مجمله رصدٌ لصفاتٍ إيجابيةٍ كانت قد لفتـت انتباهي في شخصية “جونسن” أثناء دراستي لمرحلة الماجستير وبشكل محدد في تجربتي معه كأستاذ لمادة الإحصاء التي كنتُ أعمل كمساعدة له فيها و بشكل أعمّ كمشرف لبرنامج تخصصي الدقيق بالكلية.Â

و بعد تجربة التدريس تلك و ذلك المقال مالبثَ أن أصبح جونسن هدفاً لي كمشرف دراسي في مرحلتي التالية و بات له مجلداً خاصاً على حاسوبي أرصد فيه في كل ملف مستقل تجاربي المختلفة معه في تدريسه و تعامله مع طلابه (من ضمن ذلك تعامله معي أنا كطالبة أجنبية) من ناحية ، و في البحث العلمي و بناء الحس المعرفي الأكاديمي من ناحية أخرى ، بل وحتى مهاراته الإدارية في رئاسة القسم أيضاً ، باختصار أصبح سلوك “جونسن” بحد ذاته سلوكاً مُلهماً أختبره تحت مجهري الشخصي و ذلك مايسمونه في الغرب بسلوك المستشار/الناصح Mentor أو القدوة Role Model رغم أن هناك فروقاً بين هذين المصطلحين قد لايسع المكان لذكرها هنا.

“جونسن” بخبرته الطويلة جداً ، في مجال البحث الكمي، يقوم بتدريس الإحصاء لطلاب مرحلة البكالوريوس و مرحلة الدراسات العليا وقد لا أبالغ إن قلت أنه بخبرته هذه يعتبر مرجعاً لكل طالب في الكلية يذكر كلمة إحصاء في بحثه سواء كان الطالب تحت إشرافه المباشر أم لا وهذا مما سمعته بنفسي على ألسنة الكثيرمن الطلاب قبل اتخاذ قرار اختياري له كمشرف لمرحلة الدكتوراة ، و من القصص التي التصقت بذاكرتي ماحكته لي طالبة ماجستير من بلاد الهند أنها قصدته مرة ببريد إلكتروني في سؤال إحصاء “مستعصٍ” وكان ذلك الساعة الواحدة فجراً و ماكانت الساعة الثامنة صباحاً إلا وقد تلقت الرد الذي تحتاجه، و كثيراً مايردد “جونسن” بنفسه في محاضراته الدراسية و كذلك العامة أنه يرحب بكل استفسارات الطلاب في البحث الكمي أياً كان تخصصهم الدقيق بل وحتى من الكليات الأخرى في الجامعة و أن رده على بريده الإلكتروني لايتجاوز غالباً حدود الـ 24 ساعة و إلا يكون البريد قد سقط سهواً وعلى الطالب أن يرسل بريداً تذكيرياً.

“جونسن” يشرف على طلاب للدراسات العليا و أصبح مؤخراً يشرف بشكل كامل على برنامج الدراسات العليا بالكلية و الذي يعتبر من أكبر البرامج على مستوى كندا من حيث التخصص ، الأمرالذي جعلني أتوقع إهماله لبعض الأمور الأكاديمية كعدم اهتمامه بتطوير أسلوبه في التدريس مثلاً أو قلة اهتمامه بالنشر العلمي ، وقلتُ في نفسي لعلها فرصة لأرصد تصرفاً سلبياً بعد توليه لمنصبٍ إداري جديد إضافة لمنصبه الحالي ، صحيح أن مهامه زادت و ربما لم يعد باب مكتبه مفتوحاً على مصراعيه كما كنت أراه سابقاً ، لكن خاب توقعي و لم يثنيه منصبه هذا عن ولعه بالبحث العلمي و لازال و منذ تعيينه كأستاذ في الجامعة ينشر من ٤ إلى ٥ أبحاث كحد أدنى كل عام بمشاركة أساتذة و طلاب (منها حوالي 5 أبحاث نشرها حتى الآن منذ بداية العام الحالي 2013م ) عوضاً عن الأبحاث التي لازالت في جدول أعماله مع ملاحظة أنه لايعود عليه أي مردود مادي من هذا النشر. و الأكثر من ذلك أنه يعمل حالياً على تحديث مناهجه للإحصاء ليواكب البرامج الحاسوبية الجديدة “المجانية” في التحليل الإحصائي بحيث تكون متوفرة لكل الطلاب دون أن يكون عليهم أي تكلفة مادية قد تثنيهم عن إنجاز أبحاثهم.

“جونسن” هو نفسه الشخص الذي قد تراه يجلس على مكتبه يدير برنامجنا و كذلك اجتماعاتنا مع الطلاب و الأساتذة الآخرين في معملنا البحثي و هو نفسه الذي إن رآك في الشارع تمشي مهرولاً (وهو يركب دراجته التي يحضر بها للجامعة معظم الوقت) يلقي عليك التحية مع أن ذلك لن ينقص منه شيء إن لم يلقيها وهو منشغل بقيادة تلك الدراجة. وهو نفسه أيضاً من تجده يرحب بك في حفلات الكلية بل ويقوم بضيافتك أيضاً بطبقِ من المقبلات أو قطعة من الكعك حتى ولو كنت طالباً.

“جونسن” هو نفسه الخبير في مجاله و تجده في كل محاضرة يتحدى الطلاب بعلمه الغزير في هذه الناحية و هو نفسه الذي قبٍل برفض أستاذة البحث النوعي (الواقع على الضفة الأخرى من منطقة بحث جونسن) لحضور مادة متقدمة تُدرّسها هي لأن عليه أن يحضر مادة المبتدئين أولاً حتى يمتلك الأساسيات الفلسفية لهذه المنطقة البحثية ، وهو لايخجل من أن يذكر أنه ليس خبيراً فيها بل و يفخر في كثير من الأحيان بأنه سيصبح زميلاً لنا من جديد و أنه سيتعلم منّا كطلاب و كثيراً مايردّد بأننا نحن الجيل الجديد من سنقود الأبحاث التي ستحوي كل ماهو حديث في التخصص وفي هذه النظريات الكيفية.

مقالي هذا لا أقصد فيه تعداداً لخصال و مناقب “جونسن” الإيجابية فحسب فهو بالتأكيد يملك مقابلها صفاتٍ سلبيةٍ لم ألاحظها في مشرفي السابق و لكنها لن تكون كثيراً محط اهتمامي على الأقل في هذا المقال لأني إن لاحظتها بالتأكيد سأتخذ قرار تجنبها و سأبحث عن سلوك “جونسن” آخر ليكمل منظومة الصفات الإيجابية التي أطمح لاكتسابها، ما أقصده حقاً بهذا المقال هو “المستشار/الناصح” الذي ينبغي أن يكون في حياة كل مبتعث (مشرفاً دراسياً كان أم نموذجاً آخر يُحتذى قريباً أو صديقاً كان أم بعيداً) هذا المستشار يكون بمثابة الشخص الذي يذلّل الصعاب و يحمل المصباح لطريق ذلك المبتعث الذي يحمل في قرارة نفسه حلماً مستقبلياً بالإلتحاق بالكادر الأكاديمي في جامعاتنا السعودية أو حتى تولّي منصب إداري مرموق عند العودة ، مستشاراً يكون دليلاً لخارطة طريق المبتعث المستقبلية ، ذلك المبتعث الذي سيحمل على عاتقه مع كل معلومة جديدة يتعلمها اليوم مسؤولية حمل راية التغيير غداً ولو على المستوى الفردي بدءاً بتغيير السلبيات التي تعرّض لها هو نفسه كطالب أثناء رحلته الدراسية السابقة كطرق التدريس التقليدية ، التعامل الفظّ مع الطلاب ، المناهج الدراسية المبنية على دراسة التاريخ فقط و لاتواكب أبحاث الحاضر و المستقبل …. الخ، أو حتى في اكتساب مهارات إدارة بيئة العمل كالمهارات القيادية ، التعامل مع الموظفين و تحفيزهم … الخ.

ماذكرته في هذا المقال مجرد مثال بسيطِ لشخصية واحدة قد تمرعلينا عشرات المرات يومياً في حياتنا الجامعية أو العملية، فليست الفكرة أننا سنحمل شهادة أو حرفاً يلتصق بمقدمة اسمنا فقط فنحن في غربتنا هذه لانحتكّ بشخصية واحدة و لابمكان واحد فقط بل نتعرّض لثقافة و سلوك و منظومة اجتماعية و أكاديمية متكاملة يجب أن لايمرعلينا فيها أمراً دون تأمل أو تفكر بل و حتى تقمصاً لكل مايمكن اكتسابه و تغييره انطلاقاً من حدود شخصيتنا الفردية الآن إلى تلك الشخصية وبيئة الدراسة أو العمل وكذلك المجتمع الذي نطمح أن يكون.

مما نشر لي على موقع “أكاديميون سعوديون”

رابط المقال انقر هنــــا

مصادر مساندة باللغة الإنجليزية

3Reasons Why You Should Have a Professional Mentor  – ثلاثة أسباب حول الحاجة لمستشار محترف

7Reasons Why You Must Get A Mentor – سبعة أسباب حول أهمية وجود مستشار

مقال “ماذا تعلمت من د.جونسُن ؟! (1) المنشور عبر مجلة آفاق انقر هنــــا

~إرادة