التصنيف: أسئلة حائرة

فلسفةُ البحث: ضرورةٌ للطالب أمْ محضُ فلسفة ؟!

 

research philosophy+philosophy.elements
فلسفة البحث العلمي و عناصره

كنتُ قد ترددتُ كثيراً في كتابة في هذا المقال كون الحديث عن النظريات الفلسفية (philosophical theories) أمر معقد قد يكون محل الكثير من المناقشات من ناحية توافق أو تضاد هذه الفلسفات مع مفاهيمنا الدينية وهو الأمر الذي لا أقصده في مقالي هذا و ما أنوي الحديث عنه هنا هو التطبيقات العملية للأسس الفلسفية التي يقوم عليها البحث العلمي بشكل عام.

على الجانب الآخر، كان مماشجعني على الكتابة في هذا الموضوع هو خوض تجربة جميلة لأحد الفصول الدراسية في النظريات الفلسفية للبحث الكيفي أو النوعي(philosophical foundations of qualitative research) ، تلك التجربة التي كان في خلاصتها الخروج بمهارة مهمة جداً و هي القدرة على مناقشة (وربما توافق أو اختلاف مع) أفكار هذه النظريات الفلسفية بطريقة منهجية علمية تسمح بطرح وجهات النظر المختلفة و نقدها ضمن الأعراف المتعارف عليها في الوسط الأكاديمي. و من الجدير بالذكر أن الاختلاف كمفهوم هو أمر منتشر بين النظريات الفلسفية و إلا لما وجدنا العديد من هذه النظريات ، فالقاريء لتاريخ فلسفة العلوم بشتى مجالاتها لايكاد يجد تعريفاً واحداً جامعاً لمعنى الفلسفة لذلك فكل تعريف ماهو إلا انعكاس لعدسة صاحبه ، تلك العدسة التي يرتديها فتعكس رؤيته الفلسفية الخاصة للإنسان و المجتمع و البحث و شتى مجالات الحياة. إن – الاختلاف – في تعريف الفلسفة بحد ذاته ماهو إلا خاصية من خصائص التفكيرالفلسفي بل إن السؤال عن معنى الفلسفة ربما يعد سؤالا فلسفياً قد يحتاج الواحد منا عشرات و ربما مئات الصفحات للإجابة عنه.

السؤال الذي كنت أسأله لنفسي دائماً هو: هل هناك ضرورة من دراسة النظريات الفلسفية التي قامت على أساسها الأبحاث العلمية؟ خاصة و أن مسمى درجة الدكتوراة مرتبط بالفلسفة (PhD/Doctor of Philosophy) أي القراءة و المناقشة و الفهم المتعمق لنظريات و فلسفات العلم الذي تتخصص فيه، لكن عملياً عند الكتابة و النشر العلمي قد تضطر للاستغناء عن هذه الجوانب الفلسفية مركزاً على الجانب العملي في البحث كونك محدد بعدد كلمات و أسلوب كتابة معين حسب ماتقتضيه شروط المجلة العلمية التي ترغب في النشر بها. حقيقة لم أكن مقتنعة بالقراءة في فلسفة البحث في باديء الأمر، خاصة و أن القراءة في الفلسفة و مدى فائدتها بالنسبة لطلاب الدراسات العليا أمر قد اندثر لفترة و هو الآن محط خلاف حتى في الدراسات الغربية رغم أن غالبيتها يتفق على أهميتها بالنسبة للطالب. كنت قد قررت خوض التجربة بدراسة مادة في فلسفة البحث لسببين أولهما أن الكثير من علماء المسلمين كانوا على دراية بالفلسفة و قاموا بترجمتها و شرحها من الثقافات المختلفة و إضافة الصبغة الإسلامية عليها، على سبيل المثال كنت قد تعرضت لبعض آراء ابن سينا و ابن رشد و الغزالي في علم النفس خلال فترة التدريس قبل ابتعاثي و لكنني وجدت اختلافا بين تجربتي الآن و تجربتي تلك في التدريس وهي أني لم أتعمق كثيراً في المعنى القائم خلف هذه الفلسفات و لم أهتم كثيرا إن كنت شخصيا أتفق أو أختلف مع هذه الفلسفات و هل من الممكن أن أتبنى فكر أحدهم يوماً ليقود عجلة السير في خطوتي القادمة الأمر الذي ربما يحتاجه طالب الدراسات العليا عندما يخوض تجربة الماجستير بشكل محدود و تجربة الدكتوراة بشكل أكثر تفصيلا.

كجزء من تجربة المادة التي خضتها و كمتطلب للمادة كنت مطالبة بكتابة بعض التأملات أو الملاحظات الذاتية reflections)) كمردود لانعكاسات النظريات عليّ كقارئة و باحثة الأمر الذي سمح لي بـ “التفكير في طريقة تفكيري” التي اكتشفت أنها قد تغيرت مع الوقت و اكتساب الخبرات (بعد الابتعاث) و لم تعد كما كانت في السابق (قبل الابتعاث) حتى أنني اكتشفت من خلال قراءتي لما كتبت في تلك الملاحظات أن طريقة تفكيري أو مايمكن أن أطلق عليه نظرتي الفلسفية الخاصة ، ربما كانت سبباً كامناَ حتى خلف اختياري لدولة الابتعاث. فاختياري لدولة “كندا” تحديدا كدولة متعددة الثقافات و بنظامها الأكاديمي و الثقافي المتنوع والمنظم كان جزءاً من فهمي للعالم وفق مايسمى – نظرية المعرفة – أو إبستيمولوجيا (epistemology) معيّنة تقتضي بتعدد التفسيرات للحدث الواحد و لكن ضمن حدود خبرات شخصية أو ثقافية محددة.

philosophy.Ar.En
العناصر الأربعة الرئيسية لفسلفة البحث العلمي

ليس اختيار دولة الابتعاث فقط ، فإن معرفة النظريات الفلسفية المختلفة قد ساعدني في التمييز بين الطرق المختلفة و الأدوات البحثية التي قمت بإجراء أبحاثي من خلالها في السنوات الماضية في مرحلتي الماجستير و البكالريوس و كذلك انتماءاتها الفلسفية. أيضاً أشعر أن القراءة في نظريات البحث الفلسفية كانت قد أنضجت تفكيري كباحثة وقادتني إلى مراحل تطور وجهات النظر الفلسفية المتعددة و أوجه التشابه و الاختلاف فيما بينها في مجال تخصصي ، على سبيل المثال الموضوعية مقابل الذاتية (objectivism vs. subjectivism) ، وكيف يرتبط كل ذلك بمشاريعي البحثية الحالية التي أقوم بها و لماذا أريد أن أقوم بذلك و كيف سأكون بنظرتي الفلسفية هذه مختلفة عن المنهجيات البحثية و الفلسفية لمن سبقوني في موضوع بحثي؟ و ماهي أفضل المنهجيات و الطرق البحثية (methodology & methods) التي ستتوافق مع نظرتي الفلسفية و في نفس الوقت ستساعدني في الإجابة عن أسئلتي البحثية بطريقة علمية؟ هي كلها عوامل مؤثرة في بعضها البعض بدءا بالفلسفة و انتهاء بسؤال البحث و عودة من سؤال البحث إلى وجهة النظر الفلسفية.

research philosophy
اختلاف النظرة إلى الظاهرة المدروسة حسب عدسة الباحث

و لتوضيح المعنى بمثال عملي كيف أن الفلسفات المختلفة قد تفسر الحقيقة الواحدة بعدة تفسيرات حسب العدسات التي يرتديها الباحث ( أعني النظرية الفلسفية التي يتبناها الباحث) ، تخيل معي عزيزي القاريء أن هناك خمسة باحثين يجلسون في غرفة واحدة وينظرون لنفس الصورة (صورة شجرة على سبيل المثال) و كل شخص من هؤلاء الخمسة يرتدي نظارة مختلفة الشكل و اللون و الأبعاد تسمح له برؤية الصورة نفسها و لكن قد ينتج عنها عدة صور تتفق مع افتراضات و معتقدات كل باحث ، كنتيجة لذلك كل شخص سيحاول دراسة الظاهرة التي في الصورة بطريقة بحثية تعمل كانعكاس لما تسمح له به عدسته أن يراه. دون هذا الفهم الفلسفي و تطبيقه بشكل عملي في اختيار منهجيات و طرق بحثية متناسبة مع هذه الفلسفة قد يتعرض الباحث للكثير من المتناقضات خلال إجراء البحث و التي قد تؤثر بشكل أو بآخر على مرحلة تجميع البيانات و كذلك تفسير و تحليل النتائج.

و للإجابة عن سؤال المقال: هل فلسفة البحث ضرورة أم محض فلسفة ؟ فإجابتي هي أن نظرتي الفلسفية كانت قد دعتني لكتابة هذا المقال لمشاركة تجربتي مع الفلسفة و أثرها على الباحث ، فياترى أنت كقاريء هل تتفق أو تختلف معي ؟ و عن ماذا يمكن أن تعبر نظرتك الفلسفية ؟ّ!

 

مما نشر لي على موقع “أكاديميون سعوديون”

 

رابط المقال اضغط هنا

 Further reading مصادر إضافية حول فلسفة البحث العلمي و منهجياته

*كتب

2014-03-15-14-30-47
(Crotty, 1998) كتاب مفيد يوضح التسلسل التاريخي لفسلفة البحث العلمي
كتب عربية حول البحث العلمي و منهجياته
كتب باللغة الإنجليزية حول البحث العلمي و منهجياته
2016-06-11 19.52.35
كتب باللغة العربية حول البحث العلمي و منهجياته

*خرائط عقلية في فلسفات البحث العلمي

– كيف يبدو العالم من خلال أعين الباحث اضغط هنا

– مقارنة الفلسفة الوضعية positivism بـ مابعد الوضعية post-positivism  اضغط هنا

*مقاطع يوتيوب

عن “ابن رشد” – فيلسوف العرب اضغط هنا

باراديمات وفلسفات البحث العلمي Research Paradigms جزء 1 ، جزء 2 ، جزء 3

~إرادة

d8a7d8a8d986-d8b1d8b4d8af

مبتعثٌ أم مترجم ؟!

d8add8b6d8a7d8a7d8a7d8a7d8a7d8b1d8a9.jpg
من زمن الحضارة !

في عودةٍ بالزمن إلى الوراء و تحديداً العودة إلى العصر الذهبي للحضارة الإسلامية ، نجد أن لحركة “الترجمةِ و التدوين” التي شهدها العصر الأموي و العباسي للدولة الإسلامية دوراً كبيراً في صنع حضارتنا الإسلامية والتي ازدهرت فيها العلوم في ذلك الوقت حتى استقى منها ليس العلماء العرب و المسلمون فحسب بل أيضاً العلماء الآخرين في شتى بقاع الأرض حيث قامت حركة ترجمة و تعريب العلوم بشتى أنواعها كالطب و الفلسفة و الفلك و الكيمياء و غير ذلك من عدة لغات كالإغريقية و اليونانية إلى العربية. و قد كانت اللغة العربية آنذاك هي اللغة الرسمية للدولة الإسلامية من مشرقها إلى مغربها، بل إنه وصل الحد في ذلك الحين إلى أنه أصبح لزاماً على من يريد التعرف على هذه العلوم تعلُّم اللغة العربية.

اليوم نحن نحيا من جديد عصر ازدهار العلوم و التطورالسريع للتقنيات العلمية الحديثة و لكن بشكل معاكس فأصبحنا نحنُ المسلمون من نستقي من الغرب علومهم و نحنُ من نُلزَم بتَعلُّم لغتهم حتى نفهم آخر ماتوصلت إليه دراساتهم وأبحاثهم ، و لكن بـ “برنامج الإبتعاث” قد نشهدُ حالاً مشابهةً لتلك العصور الذهبية للحضارةِ الإسلامية و قد يحدونا الأمل من جديد إلى رؤيةِ جيلٍ متميزٍ من العلماء و الباحثين وصنّاع الحضارة المسلمين من خريجي الإبتعاث، ويبقى السؤال الأهم : كيف سيكونُ لنا ذلك الإنجاز و المساهمة في استعادة تلك الحضارة ؟ إجابةُ هذا السؤال تكمُن في الإجابة على سؤال آخر أهم وهو : ما مصير الدراسات و الأبحاث التي عَمِل ولازال يعملُ عليها جيلُ المبتعثين في الدول الغربية منذ بدءِ برنامج الإبتعاث و حتى وقتنا هذا الذي بلغ فيه عدد الطلبة الدّارسين في الخارج إلى مئات الآلاف؟

قامت وزارة التعليم العالي مؤخراً بتبني فكرةٍ جميلة و هي إيجادُ مكتبةٍ إلكترونيةٍ مرتبطة بوزارة التعليم العالي مباشرةً تضم رسائل المبتعثين بهدف تمكينهم من الاستفادة من أية رسالة علمية لأي مبتعث في دولة أخرى أثناء وجودهم في بلدان الدراسة. المشكلة قد تبدو في أن الجمهورالمستهدف لقراءة هذه الأبحاث هم إما من فئة المبتعثين الحاليين أو من فئة الأساتذة و الطلاب العائدين من الإبتعاث و الذين تجمعهم صفة مشتركة وهي التحدث بـ “اللغة “الإنجليزية” ، و تظل الفئة الأكبر في الوطن و هي فئة “غير المتحدثين باللغة الإنجليزية” من طلاب المدارس و الجامعات، الفئة الأهم و التي نريدها حقاً أن تفتح أعينها مبكراً على هذا الكم الهائل من العلم و المعرفة.

يحزُنُني كثيراً و أنا أتنقّلُ بين حسابات المبتعثين و خريجي الإبتعاث ، من أطباء و غيرهم ، على برامج التواصل الإجتماعي كـ ” تويتر” مثلاً أن أجد معظم تغريداتهم إن لم يكن جميعها باللغة الإنجليزية و خاصة في حواراتهم مع بعضهم البعض أو فيما يستعرضونه من أبحاث و دراسات جديدة في تخصصاتهم ، بل شخصياً تنتابني مشاعر الحيرة حين أشرع بكتابة تغريدة أو موضوع في مدونتي لدراسة أو موضوع مرتبط بمنطقة اهتماماتي فبأي اللغتين أكتب ، باللغة “الإنجليزية” العصرية المواكبة للتقدم العلمي أم باللغة “العربية” التي تاهت عن مواكبة هذا التقدم منذ أن فقد أبناؤها تراثهم الحضاري و العلمي والذي قدّره الغرب في سابق الأيام و بنى معظم علومه عليه ؟!

في تجربةٍ تستحق الإشادة قامت بها الملحقية الثقافية في طوكيو بالتعاون مع مجموعة من المبتعثين هناك ألا وهي تدشين قاموس “مشرق الإلكتروني” و الذي يهدف بسرده ترجمةً لأكثرمن أربعين مصطلحاً إدارياً واقتصادياً وعلمياً وهندسياً بين اللغات العربية و الإنجليزية و اليابانية إلى تقديم الدعم الأكاديمي للطلبة المبتعثين والباحثين والمختصين الزائرين من السعودية والعالم العربي إلى اليابان حيث قاموا مشكورين بتحديد التخصص والمجال العلمي لكل مصطلح من تلك المصطلحات مع توفير كيفية نطقه و كتابته باليابانية. و في عملهم هذا بالتأكيد خطوةٌ إيجابية نحو إثراء المحتوى العربي، و لكن ماذا عن بقية الجهود و الأبحاث الأخرى للمبتعثين في أصقاع الأرض ، قد يقول قائل: لماذا لايثري كلُّ مبتعثٍ مجاله بترجمة أبحاثه أو الكتب المعروفة في تخصصه بنفسه إلى العربية فهو الأكثر خبرة من غيره في ذلك التخصص ، قد يكون ذلك صحيحاً إن ركّزنا على الترجمة المباشرة و الفورية و أغفلنا جانب اختيار المفردات اللغوية المناسبة و المقابلة للمفاهيم العلمية في اللغة العربية فضلاً عن التصحيحات النحوية و الإملائية ، فمن الذي سيقوم بذلك ؟! و كم سيستغرق المبتعث من وقت لترجمة بحث أو كتاب أو حتى كتباً تتكون من مئات الصفحات؟! ماذا عن مشاريعه الدراسية الأخرى ؟! هل سيتركها جانباً ويقضي وقته في الترجمة ؟ في الوقت الذي سيتم فيه نشر مئات الكتب و آلاف المقالات العلمية التي ينبغي عليه قراءتها ليكون على اطلاع لماوصلت إليه آخر الأبحاث في تخصصه؟

من تجربتي الشخصية كنتُ قد تواصلتُ مع أحد مراكز الترجمة المعروفة في السعودية لترجمةِ بحث الماجستير و قد تفاجأتُ من المبالغ المطلوبة ، فإن تعريب الصفحة الواحدة يتراوح بين 90 إلى 150 ريالاً حسب جودة و دقة الترجمة المطلوبة ، و على كل باحث أن يحسب قيمة التكلفة بضرب هذا المبلغ في عدد صفحات بحثه ، و هنا أيضاً تبرز مشكلة أخرى ألا وهي التكاليف المادية للترجمة.

إن فكرة إيجاد مركزٍ متخصصٍ للترجمة تابع لوزارة التعليم العالي و له قاعدة بيانات متكاملة و فروع متعددة ملحقة بالجامعات السعودية و المؤسسات البحثية الأخرى أمرٌ يحتاج أن يلقى الإهتمام و خاصة بمبادرة من الجامعات التي ابتعثت الكثيرمن كادرها الأكاديمي الذي سيكون مطالباً قبل غيره بنقل هذه المعرفة إلى طلابه حين عودته ، على أن يكون لذلك المركز طريقة تواصل مباشرة بالملحقيات الثقافية في بلد الإبتعاث ليتم تنسيق الجهود بين جميع الأطراف. بل سيتجاوز الموضوع فكرة الترجمة و ازدهار مكتباتنا بالكتب و الأبحاث فقط إلى توظيف الكثير من خريجي اللغة الإنجليزية ، اللغة العربية ، وكذلك خريجي العلوم الأخرى من المبتعثين وغيرهم بحيث يتكون فريق متكامل للترجمة يكون المبتعث صاحب البحث الأساسي جزءاً منه بإشرافه النهائي على ماتم ترجمته، فهلاّ ساهمنا في بناء حضارتنا بتحقيق ماحققه المسلمون الأوائل في عالم الترجمة و التدوين ؟

مما نشر لي على موقع “أكاديميون سعوديون”

رابط المقال انقر هنــا

~إرادة

حكمة ابن الهيثم

لماذا أهابُ العَوْدَة ؟!

سفر
من أرشيف رحلاتي

ها قد مرتْ السنواتُ سريعاً و قد شارفتْ سنتي الأولى في الدكتوراة على نهايتها، أكثرُ من أربع سنوات مرّت منذ بداية البعثة و لم أشعر بها ربما لأنني لم أفكر قبلاً بكيفية مرورها بينما كنتُ منشغلةَ بمحاولة استدراك مافاتني في بحر العلم و التقاط كل مايمكن أن يجعلني قادرة على المواصلة في الغوص في أعماق بيئةٍ أكاديميةٍ بحثيةٍ مختلفةٍ تمام الاختلافِ عما نحنُ معتادون عليه في تعليمنا.

مع كل يوم يمر الآن يحضرني شعورٌ غريبٌ مشابهٌ لذلك الذي انتابني من قبلُ في أول أيام الوصول لـِبلدِ الغربة بل إنه يفوق ذلك الإحساس بمراحل ، إن إحساس الصدمة الحضارية “العكسية” يكاد يرافقني مع كل صفحة جديدة أقرؤها في كتاب أو مقال علمي أو بحث جديد فتصبح جزءاً من ذكريات الغربة، تلك الغربة التي أشعر مع كل العقبات التي واجهتني فيها و كأنها حلمٌ جميلٌ (وبكل صدق) أود أن لاينتهي ! يكمن فارقٌ كبيرٌ بين مشاعر الوصول و تلك المصاحبة لفكرة العودة هو أنني عندما وصلتُ إلى كندا كنتُ أفتقر للكثير مما يعرفه الكنديون في تخصصي و أجهله أنا و قد استغرقتُ وقتاً طويلاً وجهداً كثيراً و ليالٍ طوال لتعلُّم مجاراتهم فيما يصنعون، أما في حال العودة فأخاف أن أفتقد الكثير مما عرفتُ أو أن يسبقني ذلك الرّكبُ البحثي الذي صاحبتُه طوال فترة الغربة، و ربما لن تأتيني الفرصُ مواتيةَ (بعد عودتي للتدريس) لمجاراتهم أو حتى العمل معهم من جديد.

أهابُ العَوْدَة كطالبةِ علم لا تكبُرعلى العلم فقد اعتادت أن تتعلم كل يوم شيئاً جديداً لتواكب المستجدات في تخصصها. كلُّ مصادر العلم هنا متاحة أمامها من مكتبات ،خاصة بالجامعة و أخرى عامة في كل حي من أحياء المدينة، كتب حديثة ، برامج إحصائية متطورة ، دورات وورش عمل أكاديمية، هذا فضلاً عن أن البيئة و كل من فيها يتقنون هذه الصنعة والذين لا يبخلوا أبداً بتقديم المساعدة في حال معرفتهم بها ، بل إن شغلهم الشاغل هو نقل هذه المعرفة لمن يحتاجها و غالباً لايستغرق ردهم على إيميل واحد بعشرات الأسطر أكثر من ساعة أو 24 ساعة في حال طالت مدة انتظار الرد.

أهابُ العَوْدَة كباحثةٍ اعتادت البحث والتنقيب في مدارس العلم هناك وهناك ثم تطرح الفكرة و تجدُ من يرحّب بها و يشجعها على نقلها إلى حيز التنفيذ فالميزانية مخصصة لكل مشرف دراسي لدعم أبحاث الطلاب و المعامل مُهيّئة للتطبيق و المجلات و المؤتمرات العلمية متاحة للمشاركة و النقاش و نشر المعرفة و كل ماتحتاجه هو العمل على خطة البحث وخطواته لترى ثمرات البحث تظهر للوجود.

أهابُ العَوْدَة كأُم اعتاد أطفالها القراءة حتى أصبحت الكتب رفيقهم الأصدق بين ساعات يومهم و في رحلات سفرهم الطويلة ، و لا أجمل من بيئة مدرسية كانت هي المحفز الأول في غرس تلك المفاهيم وغيرها مما يشجّع الأطفال على حب العلم و إرضاء رغبتهم الطفولية في الاستكشاف منذ نعومة أظفارهم.

أهابُ العَوْدَة كزوجةٍ عاملة اعتادت تقسيم مهام العمل في منزلها بينها وبين أطفالها و زوجها فهذا يُحضّر طاولة الطعام و ذاك يغسلُ الصحون والآخر يجهزالنفايات في أكياسها المخصصة لإعادة التدوير بكل حب فلا عيبَ اجتماعي يقفُ عائقاً أمام هذا التقسيم فالكلُّ هنا يذهبُ للعمل أو الدراسة و الكلُّ هنا يشارك في أعمال المنزل طالما هو فردٌ في هذه العائلة بغض النظر عن عمره و جنسه، في الوقت الذي لم أكن أتخيل فيه نفسي قادرةً على الصمود في الغربة و لو ليومٍ واحدٍ بدون “عاملة منزلية” تقوم بكل أعمال المنزل عنّي و عنهم فتبقى الزوجة زوجة و الزوج زوجاً و الأطفال أطفالاً لايتدخل أحدهم في عمل الآخر، و لا أعلم حقيقة كيف سيكون وضع عائلتي بكاملها عند العودة.

صورُ الهيبةِ من العودةِ كثيرة و لعل المساحة المخصصة للكتابة هنا لاتسمحُ لي بمناقشتها كلها أو ربما لن تسعفني الكلمات و لا المشاعر للتعبير عنها ، مع كل ذلك يبقى الأمل الأكبر الذي “لا” يجعلني ولو للحظةٍ “أهابُ العودة” و هو نفوس الشابات التوّاقة للعلم ، تلك النفوس التي من أجلها تغربت ، تلك العقولُ التي لم تتح لها فرصة التعرف على المميزات العلمية و البحثية الموجودة عند الغرب ، تلك الأجيال التي أعلم يقيناً أنها مُتعطّشة لمعرفة كل صغيرة و كبيرة أعرفها و سأعرفها مستقبلا،ً و التي سأسعى جاهدة و بكل ما أعطاني الخالق من قوة أن أوصلها لهنّ في أبهى حلة و أجمل صورة، حينها لن تقفَ تلك الهيبةُ من العودة في طريقي بل سأنطلق من مخاوفي مع طالباتي لتحقيق كل ماكنّا نحلم بتحقيقه، سنطالب بميزانيات أبحاث و بتجهيز معامل و بإنجاز دراسات ومشاريع بحثية تنافسُ تلك التي كنتُ يوماً أهابُ من عدم القدرةِ على مُجاراتها.

مما نشر لي على موقع “أكاديميون سعوديون”

رابط المقال انقر هنا

~إرادة

 

من أرشيف رحلتي إلى مونتريال الكندية
من أرشيف رحلتي إلى مونتريال الكندية