تعقيبا على مقال “ألزهايمر إعاقة .. من يخالفني في هذه الحقيقة ؟” لمقدم الرعاية الأستاذ المحامي “فيصل فهد العثيم”، المنشور في صحيفة الجزيرة يوم الجمعة الموافق ١٦ يونيو لعام ٢٠١٧م (اضغط هنا لقراءة المقال).

على ضوء ما استند عليه أ. فيصل من الناحية القانونية و الشرعية إضافة إلى التحدّيات الصحية و العائلية التي تدعو إلى تصنيف داء ألزهايمر كإعاقة، أو بمعنى آخر حاجة المصابين بهذا الداء للخدمات المساندة للأشخاص ذوي الإعاقة كالإعانات المالية، الأجهزة الطبية، و بطاقات المواقف الخ، سأسرد عدة نقاط من خلال خبرتي البحثية خلال الأربع سنوات و نصف الماضية في مجال رعاية كبار السن المصابين بداء ألزهايمر وعلى غرار ما يقدم لهذه الفئة من خدمات في الدول المتقدمة مثل كندا خلال فترة دراستي فيها.

  • وضعت منظمة الصحة العالمية أمراض الخرف، و من أكثرها شيوعا داء ألزهايمر، ضمن أولويات أجندتها لعام ٢٠١٧م، و ذلك نتيجة ازدياد أعداد الحالات المصابة بهذا الداء في الدول المتقدمة، مع ملاحظة أن الزيادة خلال السنوات القليلة المقبلة ستكون في الدول النّامية (متوسطة و منخفضة الدخل) نتيجة تزايد أعداد كبار السن (٦٠ سنة و مافوق) في هذه الدول أيضا. كما دعت منظمة الصحة إلى ضرورة وجود خطة عمل عالمية و استراتيجيات و سياسات وطنية لمواجهة انتشار أمراض الخرف. خلال السنوات السابقة استجابت لتحدّيات المرض العديد من الدول حول العالم بوضع استراتيجيات وطنية لرعاية المصابين بأمراض الخرف، من بينها كندا مؤخرا.
دعوة منظمة الصحة العالمية للاستجابة لانتشار أمراض الخرف
  • يعتبر داء ألزهايمر بمثابة إعاقة “خفيّة” hidden disability في مرحلة الكبر (الرشد أو الشيخوخة) تتمثل في ضمور خلايا الدماغ و تعطيل وظائفه! فالمرض أبعد مايكون عن مجرد حالة نسيان فقط ! وفقا لمنظمة الصحة العالمية  فإن داء ألزهايمر و الاضطرابات المشابهة من أمراض الخرف ( مثل الخرف الوعائي، خرف أجسام ليوي، خرف الفص الجبهي و الصدغي من الدماغ) هي أحد المسببات الرئيسية للتدهور الذهني و العجز الوظيفي لدى كبار السن عن القيام بأبسط أنشطة الحياة اليومية التي يقوم بها الأصحاء كالأكل و الشرب، ارتداء الملابس، قضاء الحاجة، الخ. يضاف إلى حاجة المصابين بهذا الداء إلى الرعاية المنزلية في الأنشطة اليومية من قبل أحد أفراد العائلة (مقدم الرعاية كالابن، الابنة، الزوجة، أو أحد الأقارب)، هناك حاجة إلى من يعنيهم على إدارة أموالهم، شراء حاجياتهم، متابعة مواعيدهم الطبية الخ من أمور تستدعي الرعاية الشخصية و الصحية التي  قد تصل إلى القيام بمهام تمريضية متقدمة في كثير من الحالات نتيجة تعدد الأمراض المزمنة كالضغط و السكري و أمراض القلب و الشرايين ( إضافة إلى داء ألزهايمر) مما قد يزيد من سرعة تدهور المصاب بالمرض و اعتماده الجزئي ثم الكلي على مقدم الرعاية و لـمدة ٢٤ ساعة يوميا رغم عدم إلمام مقدم الرعاية بمهارات الرعاية الوظيفية اليومية و استراتيجيات التواصل الملائمة مع قدرات الشخص المصاب (كالأب، الأم، أو أحد الأقارب) الذهنية و الجسدية.
  • على المستوى الدولي يدخل المصابين بداء ألزهايمر و الاضطرابات المشابهة، في دولة كندا (مقاطعة أونتاريو) على سبيل المثال، ضمن فئة المستحقين لخدمات نظام الرعاية طويلة الأمد long-term healthcare system ممن تزيد أعمارهم عن ١٨عام من الأشخاص ذوي الإعاقات. يكفل نظام الرعاية الممتدة  للمصابين، من خلال مراكز الوصول للخدمات الصحية المجتمعية community care access centres الحصول على خدمات رعاية طبية، وظيفية تأهيلية، و نفسية اجتماعية مجانية (أو برسوم محددة) حسب تقييم حالة الشخص المصاب و من يقدم له الرعاية. من أمثلة هذه الخدمات خدمات الرعاية المنزلية (تشمل الرعاية الشخصية و التمريضية، و العلاج الوظيفي و الطبيعي) بعدد ساعات و أيام محددة خلال الأسبوع، خدمات مراكز الرعاية النهارية لكبار السن (تشمل برامج مخصصة للمصابين بداء ألزهايمر في المراحل الأولى و المتوسطة)، خدمات الدعم النفسية و التدريبية لمقدمي الرعاية، و حتى عندما يصل المصاب لمرحلة متوسطة (تشتد فيها الأعراض النفسية و المشكلات السلوكية) أو متقدمة من المرض (كالمرحلة السريرية)  فيمكن رعايته في مراكز متخصصة بالرعاية طويلة الأمدlong-term care facilities  (بعضها بأقسام منفردة للمصابين بأمراض الخرف) حتى ولو لفترة وجيزة من الرعاية المؤقتة respite care كوقت مستقطع للتخفيف من الضغوط على مقدمي الرعاية العائلية والعاملين منهم بشكل خاص.
  • على المستوى المحلي، في المملكة العربية السعودية، يقع ضمن فئات المستحقين لخدمات التأهيل الشامل الإعاقات العقلية، الأمراض النفسية، و بعض الأمراض المزمنة، و جميع هذه الأمراض أو بعضها قد نجدها مجتمعة في شخص واحد مصاب بداء ألزهايمر (تدهور الذاكرة و القدرات الذهنية كاللغة و التفكير و المنطق) و لديه أعراض نفسية و مشكلات سلوكية مصاحبة للمرض (كالاكتئاب و القلق و حالات التهيّج و الهلاوس و اضطرابات النوم) التي تعيق تقديم الرعاية اليومية، إلى جانب الأمراض المزمنة المصاحبة (كداء السكري و أمراض الضغط و القلب و الأوعية الدموية) مما يتطلب نفقات مالية و رعاية صحية خاصة تفوق إمكانيات و مهارات أفراد العائلة من مقدمي الرعاية المنزلية. هذا فضلا عن أن العمر المحدد لأحقية خدمات التأهيل الشامل لايقل عن ٤٥ سنة، في حين أن داء ألزهايمر قد يبدأ فيه تراكم البروتينات (لويحات بيتا أميلويد beta-amyloid) المسببة لضمور خلايا الدماغ حوالي ١٥ إلى ٢٠ عاما قبل ظهور أعراض المرض الذهنية و النفسية في نهاية سن الـ ٣٠ ، ٤٠ (في الحالات الوراثية مثلا) أو ٥٠ عاما و مافوق. بمعنى آخر، إن داء ألزهايمر قد يصيب دماغ الشخص المصاب في مرحلة مبكرة من العمر بينما لايتم تشخيصه غالبا إلا في مرحلة متأخرة من رحلة المرض لايجدي أمامها سوى العلاجات الدوائية الملطفة لأعراض المرض إضافة إلى الرعاية المنزلية الجيدة التي قد تمتد في متوسطها من ٨ إلى ١٠ سنوات.
  • إن مقال “ألزهايمر إعاقة” لم يستند على أدلة شرعية و بعض النصوص بمواد الأنظمة المحلية (السعودية) فحسب، بل كتب أيضا من خلال صوت مقدم رعاية لوالده المصاب بداء ألزهايمر، هذا الصوت هو مكمل لصوت مقدمي الرعاية العائلية للمصابين بداء ألزهايمر حول العالم، هذه القضية الصحية الاجتماعية التي استرعت انتباه العلماء و الباحثين في مجال علم الأعصاب، علم الشيخوخة، طب كبار السن، و غيرها خلال العقود الثلاثة الماضية لإيجاد حلول داعمة لهذه الفئة. و في السعودية بشكل خاص، كانت قد بدأت المطالبات بدعم هذه الفئة منذ إنشاء جمعية ألزهايمر السعودية في عام ٢٠٠٩م، و استمرت بجهود الجمعية و مجموعة مقدمي الرعاية (عبر تطبيق الواتس آب) التي أسسها أ. فيصل و معه عدد من مقدمي الرعاية من مختلف مناطق الملكة في عام ٢٠١٣م، و لازالت مطالب هذه المجموعة و غيرهم من مقدمي الرعاية مستمرة حتى تاريخ كتابة هذا المقال. إن مقدمي الرعاية العائلية هم من يعايشون تجربة الرعاية يوما بيوم و لحظة بلحظة مع أب، أم، أو قريب مصاب بالمرض، فغالبا ما يقوم الطبيب المختص، رغم ندرة المختصين بالمرض على المستوى المحلي مما يشكل عائقا آخر، بتقييم المصاب بالمرض فقط من و متابعته من وقت لآخر، هذا إن لم يكن الزائر للعيادة هو مقدم الرعاية (وحده) لتعذر نقل المصاب بسيارة مؤهلة أو لطول فترة انتظاره بالعيادة فلا يمكنه السيطرة على سلوكيات المصاب أثناء الانتظار، أو لعدم شمول المصاب بالمرض ممن يستحقون خدمات الرعاية الطبية المنزلية مالم يكن ضمن شروطها المعروفة و التي لاتشمل المصابين بداء ألزهايمر أيضا.

أخيرا، و بناء على ماتم ذكره فإن اعتبار المصابين بداء ألزهايمر و الاضطرابات المشابهة من المستحقين للخدمات المساندة للأشخاص ذوي الإعاقة و الواقعة ضمن خدمات و برامج التأهيل الشامل ليست إلا بداية ……… ستعين مقدمي الرعاية الملتزمين بمهامهم العائلية في برّ و رعاية والديهم و أقربائهم المصابين بهذا الداء على أن تمهّد هذه الخدمات لاحقا لإنشاء نظام لخدمات الرعاية طويلة الأمد لكبار السن يقوم على تقديم خدمات صحية و مجتمعية مناسبة لهذه الفئة التي تستحق منا كل الوفاء و الاحترام و التقدير وردّ الجميل. كنت قبل عدة أشهر قد خرجتُ بهذه التوصية من بحثي للدكتوراة حول رعاية ألزهايمر و ذلك بموافقة المختبرة الخارجية Dr. Norah Keating،  الباحثة المختصة في علم الشيخوخة و المتحدثة العالمية حول القضايا العائلية لرعاية كبار السن (في كل من كندا و أستراليا و جنوب إفريقيا) و الرئيسة السابقة للجمعية الكندية لعلم الشيخوخة، و التي أكدت على التوصية بضرورة إنشاء نظام للرعاية طويلة الأمد لكبار السن محليا (في السعودية) كخطوة هامة و ضرورية لدعم مقدمي الرعاية العائلية لكبار السن و المصابين بداء ألزهايمر في الوقت الذي تتزايد فيه أعداد المصابين بالمرض محليا دون إحصاءات دقيقة تشير إلى حقيقة الانتشار الفعلي للمرض.

د. إرادة حمد

دكتوراة في الصحة و علوم التأهيل من جامعة ويسترن أونتاريو بكندا

باحثة في الشيخوخة و رعاية المصابين بألزهايمر و الاضطرابات المشابهة

عضو هيئة تدريس بجامعة الملك عبدالعزيز

كان التعقيب على هذا المقال إحدى مساهماتي في نشر التوعية في شهر سبتمبر ٢٠١٧م “شهر التوعية العالمي بداء ألزهايمر”

مصادر مساندة لموضوع المقال: 

حقائق حول أمراض الخرف من منظمة الصحة العالمية